ابن عربي
63
مجموعه رسائل ابن عربي
وأشد تمكنا ، والشهوات واللذات لديهم معروضة ، ولهم سجية وعادة ، فمفارقتها عليهم متعذرة ، وإعراضهم عنها كالشئ الممتنع ، خاصة لمن قد نشأ على الانهماك فيها ، والتوفر عليها . إلّا أن الملوك - وإن كانوا أقدر على اللذات وأكثر اعتيادا لها فهم أعظم همما ، وأعز نفوسا ، والمحصل منهم إذا سمت نفسه إلى التمام الإنساني ، واشتاقت إلى الرئاسة الحقيقية ، علم أن الملك أحق أن يكون أتم أهل زمانه ، وأفضل أعوانه ورعيته ، فيهون عليه مفارقة الشهوات ، وهجر اللذات الدنية . وينبغي لمن رغب في سياسة أخلاقه ، وسلك طريق الاعتدال في الشهوات ، أن يجعل ( لها ) قانونا يقتصر عليه في المآكل والمشارب ، مقرونا بالكرم ، وهو أن لا يستبد بالمأكل والمشرب وحده ، بل يقصد أن يشرك في ما له من ذلك إخوانه وأوداءه ، إن كان رعبة وسوقه . وإن كان ملكا رئيسا فيجمع عليه حاشيته وندماءه ، ويعم به أصحابه وأعوانه ، ويتفقد بفضلاته « 1 » أهل الفقر والمسكنة ، وخاصة من سبقت له معرفة به ، أو تقدمت له خدمة ، فيصرف إلى حاجاتهم من عنايته ، فإن اعتداد هؤلاء بما يصل إليهم من بره ، أكثر من اعتداد حاشيته وأصحابه ، وليظهر لمن يجتمع على مائدته ، وعلى طعامه وشرابه ، من إخوانه وأصداقائه ، ورعيته وندمائه - وإن كان ملكا - أن جمعه لهم للأنس بهم ، والسرور بمعاشرتهم ، لا ليكرمهم بطعامه وشرابه ، ولا أن لذلك قدرا يعتد به . ويحترز - كل الاحتراز - من أن يبدو منه امتنان بالطعام والشراب ، أو تبجح به ، فإن ذلك يزري بفاعله ، ويغض منه ، ويوحش من يغشاه ، ويقطعهم عنه .
--> ( 1 ) ما يفضل منه .